شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات اقتصادية عميقة، كان المحرّك الأساسي لها هو العولمة. لم تعد الاقتصادات الوطنية كيانات مغلقة، بل أصبحت أجزاء متشابكة في نظام اقتصادي عالمي، تتداخل فيه التجارة الدولية، ورؤوس الأموال، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد. هذا التحول أعاد تشكيل قواعد الأسواق، وغير طبيعة الإنتاج والعمل والاستهلاك، كما توضّحه أدبيات الفكر الاقتصادي الحديث وتطوره التاريخي.
وفقًا لما تعرضه مراجع تاريخ الفكر الاقتصادي، فإن فكرة الانفتاح التجاري ليست جديدة، لكنها بلغت ذروتها مع التطور التكنولوجي الهائل في وسائل النقل والاتصال. النظريات الكلاسيكية التي ركزت على الميزة النسبية والتبادل الحر، وجدت تطبيقًا عمليًا واسعًا في عصر العولمة، حيث أصبحت الدول تتخصص في إنتاج السلع والخدمات التي تمتلك فيها كفاءة أعلى، وتستورد ما سواها.
التكنولوجيا لعبت دورًا محوريًا في هذا التحول. فالتقدم في الاتصالات الرقمية سمح للشركات بإدارة عمليات إنتاج موزعة جغرافيًا، وهو ما أدى إلى ظهور ما يُعرف بسلاسل القيمة العالمية. هذه السلاسل لم تغيّر فقط شكل الصناعة، بل غيّرت أيضًا سوق العمل، حيث ارتفع الطلب على المهارات التقنية والمعرفية، مقابل تراجع بعض الوظائف التقليدية، وهي نقطة تتناولها كتب مبادئ الاقتصاد الكلي عند تحليل سوق العمل في الاقتصاد المعولم.
من ناحية أخرى، أثّرت العولمة على حركة رؤوس الأموال والاستثمار الأجنبي المباشر. تشير المراجع الاقتصادية إلى أن سهولة انتقال رؤوس الأموال بين الدول ساهمت في نمو اقتصادات نامية، لكنها في الوقت نفسه زادت من حدة التقلبات المالية، كما ظهر في الأزمات الاقتصادية العالمية. هذا التناقض يعكس طبيعة العولمة كظاهرة تحمل فرصًا ومخاطر في آن واحد.
كما أدت العولمة إلى زيادة المنافسة بين الشركات، سواء داخل الدولة الواحدة أو عبر الحدود. هذه المنافسة دفعت الشركات إلى تحسين الجودة وخفض التكاليف والاعتماد على الابتكار، وهو ما انعكس إيجابيًا على المستهلك من حيث تنوع السلع والأسعار. إلا أن كتب الاقتصاد السياسي تشير إلى أن هذه المنافسة قد تؤدي أيضًا إلى تهميش بعض القطاعات المحلية غير القادرة على مجاراة السوق العالمي.
في المجمل، توضّح المراجع الاقتصادية أن العولمة ليست مجرد مرحلة عابرة، بل إطار شامل يعيد صياغة العلاقات الاقتصادية. نجاح الدول في التعامل معها يعتمد على سياساتها التعليمية، وقدرتها على تطوير البنية التحتية، وتبني استراتيجيات اقتصادية توازن بين الانفتاح وحماية الاقتصاد الوطني.